يستيقظ مع اشعة الشمس الأولى... ليتناول لُقيمات مُتبقية من وجبه العشاء...يتأمل فى حال تلك الشقة الهزيلة ذات الحوائط البالية التى يسكن بها...و يتذكر بيته الذى تركة منذ سنوات فى الصعيد.. بحثاَعن عمل.. فى الحقيقة.. هرباَ من العمل المحتوم الذى يفرضة عليه إرث العائلة.. لم يحصل على عمل مرموق كما قال لأهله فى الصعيد.. فهو يعمل موظفاً فى إحدى قصور الثقافة... يُعلم الاطفال الموسيقى حين يأتى بهم اهاليهم فى الاجازة الصيفية.. يتقاضى منه راتباَ نحيل كهيئتة.. بالكاد يكفي مصاريفة و إيجار شقته المتهالكة تلك ...
يخرج من بيته.. و يسير قليلاً حتى يصل إلى موقف الميكروباص... يتخذ لوجهته طريق البحر..
يرى قارب صيد صغير فى البحر.. فيتيه صاحبنا فى حنينه لمكان بعيد...لمكان نشئتة الاول...
للدار التى تركها.. اصدقاءه القدامى .... و تلك البنت المليحة التى عرف بعد ذلك انها تكبرة بـ 3 سنوات
لـ ايام تخلو من الهم مليئة بالضحكات التى ضلت طريقها إلى وجهه منذ زمن مليئة بالاحلام الكبيرة.. و التى تموت شر موته مع أول تصادم مع الواقع..
يفيق على صوت السائق " يلا يا جماعة هنا الاخر " ينزل ليمشى فى شارع طويل .. مليئ بالبنايات التى تعود للاستعمار الانجليزى.. مبانى كبيرة ذات شبابيك طويلة.. تُشعرك و كأن من كان يسكنها ربما كانوا عمالقة
يصل إلى عمله ليبدأ حصتة المعتادة... مع هؤلاء الأطفال.. او كما يسميهم هو " القرود" فهؤلاد النسانيس الصغيرة تظل تقفز فى كل مكان و يتبجحون على بعضهم البعض.. فأطفال هذة الايام يعرفون اكثر مما يعرفه الكبار احيانا
اصبحوا اكثر جرأة.. و اقل ادبا فى وجهه نظرة.. هم لا يقدرون قيمة الفن او ما يتعلمونه حتى...
يُنهى حصص يومه الممله تلك.. و يعود لشقتة ويشترى فى طريقة ساندوتشين.. من شئنهما ان يتسببان بالصفراء
و نزله معوية حادة.. و ربما لا يصلحان للأكل البشرى اصلا !
و لكن هكذا تجرى الحياة.. لا يوجد الكثير من الخيارات امامك..
يلتهم وجبتة تلك فى عُجاله و يغير ملابسة.. ليذهب إلى عمله الاخر بعد الظهر..
وهو مُحبب إليه اكثر.. فهو يعمل ضمن فرقة موسيقية كلاسيكية فى احد اكبر الفنادق هناك...
يظل يعزف ما يطيب له من موسيقى طوال الليل لزوار الفندق.. تلك الطبقة من الناس الذين لا تقابلهم إلا إذا كنت احدهم.. او تعمل لحسابهم..
هؤلاء ممن يدفعون فى الليلة اكثر من راتبك لشهر كامل !
فقط من أجل " إراحة أعصابهم " و الاستمتاع..
وهذا هو عمله.. يظل يعزف من اجل إسعادهم.. يبذل من روحة.. و حنينة .. و مشاعرة.. الحان تصل إلى ارواحهم لتريحها..
او لتُسكِنها.. لا احد يعرف من ماذا يحتاجون ان يريحوا ارواحهم.. فى كل الاحوال.. ليس هذا دورة..
دورة هو إسعادهم..
هو يأكل .. يشرب.. يدفع إيجار الشقة.. و يعيش ..
من إسعاد الاخرين..
هو عاش.. وحلُم و حزِن.. و فَرَح ..
تألم... و لم يَشفى أحد أو شئ جراحه
ليخرج كل تلك المشاعر.. فى موسيقاه.. للناس.. .. فيسعدوا هم..
و يقتات هو على ذلك الفتات لبقيه حياة...
فدورة فى الحياة...ان يكون بائع للسعادة.. التى لايملكها !
- العازف -

No comments:
Post a Comment